ستصبح إسبانيا نموذجاً يُحتذى به في مجال الطاقة النظيفة في أوروبا. ويشير تقرير حديث صادر عن شركة ماكينزي إلى أن: "إسبانيا تمتلك وفرة من الموارد الطبيعية وإمكانات تنافسية عالية في مجال الطاقة المتجددة، فضلاً عن موقع استراتيجي واقتصاد متطور تقنياً... ما يؤهلها لتصبح رائدة أوروبية في مجال الطاقة المستدامة والنظيفة". ويؤكد التقرير على ضرورة استثمار إسبانيا في ثلاثة مجالات رئيسية: الكهرباء، والهيدروجين الأخضر، والوقود الحيوي.
بالمقارنة مع بقية أوروبا، تمنح الظروف الطبيعية لإسبانيا إمكانات هائلة لتوليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية. هذا، بالإضافة إلى قدرة البلاد التصنيعية القوية بالفعل، وبيئتها السياسية المواتية، و"شبكة قوية من مشتري الهيدروجين المحتملين"، يسمح لها بإنتاج الهيدروجين النظيف بتكلفة أقل بكثير من معظم الدول المجاورة والشركاء الاقتصاديين. أفادت شركة ماكينزي أن متوسط تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر في إسبانيا يبلغ 1.4 يورو للكيلوغرام الواحد، مقارنةً بـ 2.1 يورو للكيلوغرام الواحد في ألمانيا.
هذه فرصة اقتصادية هائلة، فضلاً عن كونها منصة بالغة الأهمية للريادة في مجال المناخ. خصصت إسبانيا 18 مليار يورو (19.5 مليار دولار) للاستثمار في إنتاج وتوزيع الهيدروجين الأخضر (مصطلح عام للهيدروجين المُستخلص من مصادر الطاقة المتجددة)، "وهي حتى الآن المحاولة الأوروبية الأكثر طموحًا لإدخال تقنية بالغة الأهمية لقطاع الطاقة العالمي". ووفقًا لبلومبيرغ، فإن إسبانيا "أول دولة متأثرة بتغير المناخ، في قارة محايدة". وقال كارلوس باراسا، نائب رئيس قسم الطاقة النظيفة في مصفاة سيبسا المحلية: "تتمتع إسبانيا بفرصة فريدة لتصبح السعودية في مجال الهيدروجين الأخضر".
مع ذلك، يحذر النقاد من أن القدرة الحالية للطاقة المتجددة غير كافية لإنتاج الهيدروجين الأخضر بكميات كافية لاستبدال الغاز والفحم في صناعات البتروكيماويات والصلب والمنتجات الزراعية. إضافةً إلى ذلك، يثار التساؤل حول جدوى استخدام هذه الطاقة الخضراء في تطبيقات أخرى. ويحذر تقرير جديد صادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) من "الاستخدام العشوائي للهيدروجين"، ويحثّ صانعي السياسات على دراسة أولوياتهم بعناية، مع الأخذ في الاعتبار أن الاستخدام الواسع النطاق للهيدروجين "قد يتعارض مع متطلبات طاقة الهيدروجين". ويؤكد التقرير أن الهيدروجين الأخضر "يتطلب طاقة متجددة مخصصة يمكن استخدامها لأغراض أخرى". بعبارة أخرى، قد يؤدي توجيه كميات كبيرة من الطاقة الخضراء نحو إنتاج الهيدروجين إلى إبطاء عملية إزالة الكربون برمتها.
هناك قضية رئيسية أخرى: قد لا تكون بقية أوروبا مستعدة لمثل هذا التدفق الهائل من الهيدروجين الأخضر. بفضل إسبانيا، سيكون هناك عرض، ولكن هل سيتناسب الطلب معه؟ تمتلك إسبانيا بالفعل العديد من خطوط الغاز القائمة مع شمال أوروبا، مما يسمح لها بتصدير مخزونها المتزايد من الهيدروجين الأخضر بسرعة وبتكلفة منخفضة، ولكن هل هذه الأسواق جاهزة؟ لا تزال أوروبا تتجادل حول ما يُسمى "الصفقة الخضراء" للاتحاد الأوروبي، مما يعني أن معايير الطاقة والحصص لا تزال غير محسومة. ستُجرى انتخابات في إسبانيا في يوليو/تموز المقبل، والتي قد تُغير البيئة السياسية الداعمة حاليًا لانتشار الهيدروجين الأخضر، مما يُعقّد المسألة السياسية.
مع ذلك، يبدو أن القطاعين العام والخاص الأوروبيين يدعمان تحوّل إسبانيا إلى مركزٍ للهيدروجين النظيف في القارة. وتُعدّ شركة بي بي من كبار المستثمرين في الهيدروجين الأخضر في إسبانيا، وقد تعاونت هولندا مؤخراً مع إسبانيا لإنشاء ممر بحري أخضر للأمونيا، بهدف تسهيل نقل الهيدروجين الأخضر إلى بقية أنحاء القارة.
مع ذلك، يحذر الخبراء من ضرورة توخي إسبانيا الحذر لتجنب تعطيل سلاسل إمداد الطاقة الحالية. وصرح مارتن لامبرت، رئيس أبحاث الهيدروجين في معهد أكسفورد لأبحاث الطاقة، لوكالة بلومبيرغ: "هناك تسلسل منطقي. الخطوة الأولى هي إزالة الكربون من نظام الكهرباء المحلي قدر الإمكان، ثم استخدام الطاقة المتجددة المتبقية."
والخبر السار هو أن إسبانيا تستخدم الهيدروجين الأخضر بكميات كبيرة محلياً، لا سيما لتحقيق "خفض كبير في انبعاثات الكربون" في "الصناعات التي يصعب تزويدها بالكهرباء وإدارتها"، مثل صناعة الصلب. ويفترض سيناريو "ماكينزي" للصفر الكامل أن إمدادات الهيدروجين في إسبانيا وحدها، دون أي سوق أوروبية أوسع محتملة، ستزيد بأكثر من سبعة أضعاف بحلول عام 2050، مما سيُسهم في تحقيق تقدم كبير في مجال كهربة وخفض انبعاثات الكربون في القارة.
تاريخ النشر: 7 يوليو 2023
